أحمد بن علي القلقشندي

304

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

للفضل باسطا ولراية العدل ناشرا ، وجعله لشمل المحاسن جامعا ولأئمة الخلفاء الراشدين عاشرا ، لم يزل ناظرا في البعيد والقريب ، عاملا في سياسة الأمّة عمل المجتهد المصيب ، مستقصيا حرصه في المحافظة على إعزاز الملَّة ، مستنفدا جهده في الجهاد فيمن خالف أهل القبلة ، باذلا من جزيل العطاء وكثيره ما لا يعرف معه أحد من خاصّته بالفقر ولا ينسب معه إلى القلَّة ، حتّى استوفى مدّته الموهوبة ، واستوعب غايته المكتوبة ، وناله من القضاء ما أخرجه من الدّنيا سعيدا ، وأقدمه على اللَّه شهيدا ، وأصاره إلى ما أعدّ له من نعيم لا يريد به بديلا ولا يطلب عليه مزيدا ، وكان انتقاله إلى جوار ربّه تبارك وتعالى ، كانتقال أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بغيا من الكافرين واغتيالا . وقد كان يذكر ما يعلمه من حقّ أمير المؤمنين ( 1 ) تارة مجاهرا وتارة مخافتا ، إلى أن صار على بسط القول في ذلك وتبيينه مثابرا متهافتا ، وأفصح بما كان مستبهما مستعجما ، وصرّح بما لم يزل في كشفه ممرّضا وعن إفصاحه محجما ، وذلك لمّا ألفاه أشرف فرع من سنخ ( 2 ) النبوّة ، ورآه أكرم في فخارة الأبوّة ، وعلمه أبيه ( 3 ) الأمير أبي ( 4 ) القاسم عمّه سلام اللَّه عليه الذي هو سليل الإمامة القليل المثل ، ونجل الخلافة المخصوص من الفخر بأجزل حظَّ وأوفر كفل ، كان المستنصر باللَّه أمير المؤمنين سمّاه وليّ عهد المسلمين ، وتضمّن ذلك ما خرجت به توقيعاته وتسويغاته إلى الدواوين ، وثبّت في طرز الأبنية ، وكتب الاتبياعات والأشرية ، وعلمته الكافّة علما يقينا ظلَّت فيه غير مرتابة ولا ممترية ، وفي ضمن ذلك باطن لا يعقله إلا العالمون ، ولا ينكره إلَّا من قال فيهم : * ( وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ( 5 ) * ( ) * . وذلك أنّ أمير المؤمنين الغرض والمقصد ، والبغية والمطلب ، وله عهد بالتلويح

--> ( 1 ) المراد به الحافظ لدين اللَّه صاحب هذه البيعة . انظر حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) السنخ ، بكسر السين وسكون النون : الأصل . القاموس المحيط ( سنخ ) . ( 3 ) في الطبعة الأميرية : « من أباه الأمير أبا القاسم » وفي الحاشية : « جرى الكاتب على لغة القصر » . ( 4 ) في الطبعة الأميرية : « من أباه الأمير أبا القاسم » وفي الحاشية : « جرى الكاتب على لغة القصر » . ( 5 ) سورة العنكبوت 29 ، الآية 49 .